الاتحاد برس - علي محمد محمد بدر :
تفعيل القوانين أم شرعنة الجباية؟.. كيف يحول "لوبي الفساد" الوضع الراهن إلى غنيمة؟
منذ قيام ثورة الـ 21 من سبتمبر 2014، يعيش اليمن منعطفاً تاريخياً حرجاً؛ فبينما تطلعت الجماهير إلى عهدٍ جديد يُنهي عقوداً من المحسوبية والظلم، تحركت شبكات "لوبي الفساد" المتغلغلة في مفاصل الدولة لتحويل هذا النور إلى ظلام. هدفهم الأساسي هو تشويه مبادئ الثورة، وخلط الأوراق، وخدمة مصالحهم الضيقة التي تلتقي في نهاية المطاف مع أجندات قوى العدوان.
إن أخطر ما نفذه هذا اللوبي المتربص، مستغلاً خبرته الطويلة وانخداع البعض بشعاراته، هو لجوؤه إلى "تفعيل قوانين" كانت حبيسة الأدراج. في البدء، استبشر الشارع خيراً وظنها خطوة نحو دولة النظام والقانون، لكن الحقيقة الصادمة تجلت سريعاً: لقد تم تفعيل القانون لا لإرساء العدالة، بل لاستخدامه كسلاحِ سلبٍ ونهب.
شماعة "الوضعية" والجبايات السوداءتحت لافتة "الوضعية" أو "الوضع الراهن"، يجري اليوم استغلال المواطن مادياً باسم القانون. تُشهر شروط التراخيص والمعاملات في وجوه الناس في قطاعات حيوية كالبلدية، والتخطيط، والضرائب، والمرور، لا بقصد تنظيم العمل، بل للوصول إلى "تسوية خلف الكواليس". ينتهي المشهد باتفاقات شفهية تدفع بموجبها ملايين الريالات بلا مستندات رسمية ولا سندات تحصيل، لتذهب الأموال مباشرة إلى جيوب الفاسدين بدلاً من الخزينة العامة للدولة، وتُغض الطرف عن المخالفات بذريعة "مراعاة الظروف".
والأنكى من ذلك، أن هذا السلوك الإجرامي يترافق مع حملة تشهير ممنهجة تستهدف الدولة والحكومة والقيادة، عبر إظهارها بمظهر العاجز أو الشريك، في حين أن الفاعل الحقيقي هو ذلك اللوبي النفعي الذي وظّف الحرب والحصار للإثراء الفاحش على حساب دماء وجراح الشعب وباسم الثورة والمسيرة والجهاد.
حرب الإقصاء وتشويه الشرفاءلم يكتفِ الفاسدون بنهب المال العام، بل شنوا حرباً أخلاقية ونفسية لتصفية الوظيفة العامة من النزاهة. يواجه أي عنصر شريف ومتمسك بقيم المسيرة القرآنيّة ومبادئ الثورة هجوماً شرساً؛ وبقدرة قادر، يُعزل ويُهمش ويُرمى بتهم "الغباء"، أو "التشدد"، أو "عدم مرونة التعامل مع الوضعية".
لقد قلب هذا اللوبي الموازين المجتمعية، فأصبح الفاسد "الذكي الذي يعرف من أين تُؤكل الكتلف ويسير الوضع"، بينما يُقصى الصالح ويُتهم بالعنصرية أو المناطقية لشرعنة إزاحته.
خارطة طريق للخروج من النفق
إن استمرار هذا التآكل الداخلي يهدد الجبهة الداخلية، والمخرج الحقيقي والعملي من هذا المستنقع يتطلب خطوات حاسمة وجذرية:أولاً: إنفاذ التغييرات الجذرية والرقابة الثورية: العودة إلى تفعيل دور الرقابة الصارمة والميدانية (على غرار تجربة اللجنة الثورية العليا في بداياتها) لكسر مخالب الفاسدين.
ثانياً: أتمتة مؤسسات الدولة: تفعيل العمل الآلي والالكتروني في المعاملات والتحصيل لقطع يد العنصر البشري النفعي، وإنهاء الابتزاز الشفهي.
ثالثاً: إلغاء الجبايات العشوائية والسلطة المحلية السلبية: إلغاء ما يسمى بـ "المتحصلين" ورسوم الخدمات التي تجبيها بعض مجالس السلطة المحلية دون تقديم أي مردود حقيقي للمجتمع.
رابعاً: تحصين الشرفاء ونشر الوعي: حماية الكوادر النزيهة في مؤسسات الدولة، والتركيز على رفع مستوى الوعي والبصيرة لإسناد المبادئ والنهج العملي للمسيرة.
إن أملنا وثقتنا بطلب التغيير والإصلاح من القيادة الثورية والسياسية كبيرة جداً، وندعو الله لهم بالعون والتوفيق والسداد في تطهير مؤسسات الدولة وبناء اليمن الخالي من الفساد نظير ماقدمه من تضحيات