العناوين:

د. ​عبد العزيز بن حبتور..ملامحُ رجلٍ لم تغرُه المناصبُ ولم تُغيّرهُ العواصف.

د. ​عبد العزيز بن حبتور..ملامحُ رجلٍ لم تغرُه المناصبُ ولم تُغيّرهُ العواصف.

الاتحاد برس - بقلم - فطوم حسن :

د. ​عبد العزيز بن حبتور..ملامحُ رجلٍ لم تغرُه المناصبُ ولم تُغيّرهُ العواصف.



​أعودُ بذاكرتي إلى الوراء، وتحديداً إلى تلك الأيام الأولى حين كنتُ في مقتبل العشرينيات، طالبةً في جامعة عدن، ومذيعةً شابةً تتلمسُ طريقها في "تلفزيون عدن" من التواهي. في تلك المرحلة، عرفتُ لأول مرة الدكتور عبد العزيز صالح بن حبتور. لم يكن حينها مجرد "رئيس للجامعة"، بل كان بالنسبة لي ولجيلنا أستاذاً وقامةً تفرضُ احترامها.


​على مدار سنواتٍ طويلة، كان الميكروفون رفيقي في محطاتٍ مفصلية مع الدكتور بن حبتور؛ من مقعده في رئاسة الجامعة، إلى منصب محافظ عدن حتى التقيته في صنعاء عام 2016، وصولاً إلى سنواته في رئاسة حكومة الإنقاذ الوطني، حيث أجرينا حواراتٍ معمقة، منها حوار في قناة الهوية، والسلسلة التوثيقية الملحمية التي امتدت لأربعة أجزاء على شاشة "قناة عدن من اليمن"، والتي أرخنا فيها ذاكرة الوطن منذ 1963 وحتى واقعنا المعاصر. ومؤخراً، تشرفتُ بمواصلة هذا التوثيق عبر حوارٍ من جزئين أجريناه وهو في منصبه الحالي كعضوٍ في المجلس السياسي الأعلى، لنستكمل رحلة القراءة في أحداث التاريخ ومآلاته.


و​بعيداً عن صخب السياسة.. في رحاب الإنسان، إن سألتموني عن د. عبدالعزيز صالح "بن حبتور" وبعيداً عن أضواء الاستوديوهات وتعقيدات السياسة، فسأحدثكم عن الإنسان الذي يختبئ خلف ربطة العنق والمنصب. سأحدثكم عن "صديق الأدباء والإعلاميين والفنانين والشعراء".


هو ليس مجرد مسؤول، بل متذوقٌ من الطراز الرفيع للفن، عاشقٌ للموسيقى، شغوفٌ حد النخاع بالتراث الفني اليمني الذي يعتبره هويتنا الموازية.


​هو الأبُ الحنون الذي يحمل في قلبه دفئاً لا يلمسه إلا من اقترب منه، والأستاذ الحكيم الذي يمنحك النصيحة كما يمنحُ العطشان شربة ماء، والناصح الأمين الذي لا يجاملك في الحق. إن أكثر ما يشدك إليه هو "الوفاء"؛ وفاءٌ للزملاء، للمواقف، وللمبادئ التي نذر لها عمره.


في ​ثباته على المبدأ في زمنِ الرياح استوقفني مقاله الأخير حول "النظام الرسمي العربي ومشروع الكيان الصهيوني"، لم يكن نصا يقرأ، بل هو "روح" بن حبتور التي عرفتها منذ كنت في العشرينيات. هو الرجل الذي لا يهادن، لا يتنازل عن مبدئه، ولا يبيع موقفاً بمكسب.


​في مقاله، يمزج الدكتور بين وجعه القومي وبين رؤيته التحليلية الصارمة؛ فهو يرى في التواطؤ العربي مع المشروع الصهيوني خيانةً لا يمكن غفرانها، مستنداً في ذلك إلى قراءة تاريخية عميقة، بدءاً من تآمر 1967، وصولاً إلى المشهد الراهن. هو يكتبُ بمرارة المحب لأمته، وبصلابةِ من يرفض رؤية "الانبطاح" يتصدر المشهد.


​لقد علمتني تجربتي مع الدكتور عبدالعزيز صالح بن حبتور أن الرجال يُقاسون بمواقفهم، لا بمناصبهم. وبينما هو اليوم عضوٌ في المجلس السياسي الأعلى، يظل هو نفسه "الأستاذ" الذي عرفتُه قبل سنوات طويلة: ثابتاً، وفياً، ومؤمناً بأن التاريخ لا يرحمُ المتخاذلين، وأن المبادئ هي الضمانة الوحيدة للخلود في ذاكرة الشعوب....