الاتحاد برس :
بقلم الاستاذ/ جلال أحمد الدربي
في قلب الهُوية اليمنية النابضة بالعزة والكرامة يتجذر عرف النكف القبلي كواحد من أسمى وأقوى المرجعيات العرفية التي توارثتها الأجيال لتمثل صمام الأمان والنفير العام عند الملمات والخطوب فمعنى النكف يتجاوز مجرد التداعي العسكري العابر ليكون تعبيراً حياً عن التضامن المجتمعي المطلق والاستجابة الجماعية الفورية لنصرة المظلوم وردع المعتدي والدفاع عن الأرض والعرض وتتلاشى أمامه كافة الخلافات والنزاعات البينية وتذوب في بوتقة الهدف الأسمى الذي يمس كرامة الإنسان وسيادة الوطن وعادة ما ينطلق هذا العرف عندما تقرع طبول التحديات المصيرية وتبرز المحفزات الكبرى التي تمس القيم السامية للقبيلة كالدفاع عن الحق والحدود أو الوقوف في وجه غطرسة قوى البغي والعدوان الخارجي حيث تتحول القبائل من حالة السلم والدعة إلى أقصى درجات الاستنفار والجاهزية بمجرد وصول صوت الداعي وإشارة القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي وبيان التعبئة العامة ونداء الواجب التي توجه البوصلة نحو جبهة المواجهة المشتركة بحزم ومسؤولية كاملة.
إن هذه الاستجابةَ السريعة تتجلى في الانتقال السلس من صوت القائد إلى هبة القبائل العارمة التي تفد من كل حدب وصوب حاملة سلاحها وعتادها ومجسدة أرقى قيم المدد القبلي ويتداخل هذا الحراك الشعبي مع الزامل اليمني الذي يمثل لسان حال النكف والوسيلة الإعلامية والحماسية الأقوى لبث الحماس وتوثيق الروابط والتعبير عن التضحية والفداء والتحذير من التقاعس والعيب لمن يتخلف عن نجدة إخوانه وتحمل هذه المنظومة العرفية أبعاداً اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة تسهم في تذويب الخلافات ورَصّ الصفوف كالبنيان المرصوص لتشكل قوة شعبية ضاربة قادرة على إرباك أية حسابات عسكرية وتأكيد استقلال القرار اليمني ورفض التبعية أو الإذلال لأية قوى خارجية مهما بلغت قوتها وغطرستها.
وفي وقتنا الحاضر، تحول هذا الإرث العُرفي الأصيل إلى أداة وطنية جامعة تجلت بأسمى صورها في النفير العام والاستجابة الواسعة التي أظهرتها القبائل اليمنية في شتى المديريات والمحافظات لدعوة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حيث اعتبرت القبائل تلك الدعوات نداءً دينياً وإنسانياً ووطنياً يستوجب تلبيته للتصدي للعدوان وتجاوز كل الخلافات الداخلية وتجسد هذا الزخم الشعبي في تنظيم وقفات مسلحة حاشدة ومؤتمرات قبلية موسعة رفدت الجبهات بالرجال والمال وحولت الغضب القبلي المتصاعد جراء الانتهاكات والغارات الجوية واستهداف البنية التحتية إلى قوة صمود أسطورية في وجه العدوان السعودي الظالم والحصار الجائر الذي تفرضه قوى التحالف على الشعب اليمني فكانت المطالبة بفَكِّ الحصار البري والجوي والبحري وفتح الموانئ والمطارات شعاراً ثابتاً تصدح به القبائل في نكفها المعاصر باعتباره حقًّا إنسانيًّا وقانونيًّا لا يقبل المساومة أو المقايضة.
لقد برهن هذا التلاحم الوثيق بين الجبهة العسكرية والحاضنة القبلية على أن القبيلة اليمنية في شتى المديريات ليست مجرد امتداد لتاريخ غابر بل هي ركيزة حية وحاضرة في معركة الحرية والسيادة الوطنية والاستقلال ويمثل النكف اليوم في ظل القيادة الوطنية الحازمة دليلاً قاطعاً على وعي اليمنيين الجمعي بطبيعة التحديات وقدرتهم على التكيف السريع لحماية بلدهم وكرامتهم متمسكين بحقهم المشروع في العيش الكريم فوق ترابهم الوطني الطاهر ومؤكدين للعالم أجمع أن روح المقاومة والصمود والالتفاف حول داعي الحق والوطن هي الثقافة الراسخة التي لا يمكن أن تنكسر أو تنحني أمام عواصف الحصار والعدوان.