الاتحاد برس :
ما وراء المواقف الخليجية؟
بقلم/ حزام الاسد عضو المكتب السياسي لأنصار الله
مشكلة دول غرب الخليج مع الجمهورية الإسلامية تكمن في تبعية تلك الأنظمة المطلقة للإدارة الأمريكية، وفقدانها لقرارها السيادي؛ إذ ما تزال تلك الأنظمة ترى نفسها مجرد محميات خاضعة لاتفاقيات التبعية والحماية. وتُعد اتفاقية دارين عام 1915م مثالًا واضحًا على مصادرة السيادة، إذ قيّدت قرار النظام السعودي، وحدّت حتى من استقلال علاقاته الخارجية: من يعادي ومن يصادق، ومن مواقفه الإقليمية والدولية.
لقد كان أمام تلك الأنظمة فرصة تاريخية للاستفادة من تراجع بريطانيا وتفكك نفوذها، غير أن هاجس الخوف الذي سيطر عليها فتح الباب أمام الولايات المتحدة لوراثة تلك المحميات. وفي هذا السياق، شكّل عام 1945م محطة مفصلية، حين استدعى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور الملك عبدالعزيز آل سعود إلى بارجته العسكرية قبالة ميناء جدة، في خطوة دشّنت مرحلة جديدة من الارتباط بالنفوذ الأمريكي والولاء له، خلفًا للدور البريطاني الآخذ في الانكماش آنذاك.
وعلى امتداد هذه المراحل، ما تزال تلك الأنظمة أقرب إلى كونها مجرد محميات، تؤدي أدوارًا مرتبطة برعاية المصالح والشركات الأمريكية؛ إذ تستضيف قواعدها العسكرية، وتوفّر الغطاء لتواجدها العسكري وهيمنتها على دول وشعوب المنطقة، كما تعمل كرافعة سياسية ودينية لشرعنة بقاء الكيان الصهيوني وتطبيع وجوده في المنطقة، بل وتهيئة الأمة لتوسّعه وتمكينه مما يُسمّى بـ"إسرائيل الكبرى".
لذلك، لا يبدو مستغربًا أن تنخرط هذه الأنظمة اليوم في مواقف تتطابق مع المواقف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، عبر الانخراط عسكريًا في الدفاع عن القواعد الأمريكية التي تعتدي على شعوب أمتنا، والمشاركة في استهداف جيرانها، وقتل الأطفال في مدارسهم، والمدنيين في منازلهم، واستهداف البنى التحتية لشعب مسلم ذنبه الوحيد مساندته للقضية الفلسطينية.
ومن التناقض العجيب أن تتوسل تلك الأنظمة اليوم من شعوب أمتنا التضامن معها في دفاعها عن القواعد العسكرية الأمريكية، بينما لم تمضِ سوى أشهر قليلة على مواقف أعلنت فيها انسلاخها من انتمائها بتخليها عن مساندة غزة، وتعاونها مع الكيان الصهيوني المجرم في جرائمه بحق سكان غزة ومعادات أي توجه مقاوم وتصنيفه - وفق السردية الأمريكية والإسرائيلية - على أنه إيراني؛ بعد أن سخّرت كل إمكانياتها المالية والإعلامية والسياسية والدينية الطائفية لشيطنة الجمهورية الإسلامية وأحرار أمتنا في محور الجهاد والمقاومة، والسعي لحرف بوصلة العداء نحوها، مستخدمة مختلف الوسائل والعناوين القومية والطائفية، وإلصاق الأزمات والحروب التي شنتها أمريكا وإسرائيل وأدواتهم على شعوب منطقتنا بها.
إن ما نعيشه اليوم يُعد محصلة لقرن من المؤامرات الصهيونية التي استهدفت أمتنا، وهو ما يستدعي اليوم من الجميع مراجعة واعية للواقع، وتقييمًا صحيحًا على أساس قرآني، وتعزيز حالة الوعي بطبيعة الصراع مع أهل الكتاب، ومعرفة أساليب وسرديات المنافقين، والعودة الى هدى الله كسبيل وحيد لتجاوز هذا الواقع، والالتفاف حول أعلام الهدى من ورثة الكتاب، الذين يُعقَد عليهم - بعد الله - الأمل في إنقاذ هذه الأمة.
لا سيما بعد أن عاشت الأمة تجربة مريرة نتيجة تخلّيها عن كتاب الله تعالى، وموالاتها لأعدائها وعملائهم؛ فإن الأحداث الجارية والحرب الدائرة اليوم قد أوجدت فرزًا حقيقيًا وكشفت ما حاول الأعداء طمسه أو التدليس عليه، مما يجعل من الواجب على الجميع اليوم تبني موقف جمعي معياره توجيهات الله تعالى؛ العليم الخبير، والقاهر فوق عباده، من بيده عواقب الأمور، القال سبحانه: "وكان حقًا علينا نصر المؤمنين."