العناوين:

السعودية تعترف رسمياً "لست وسيط" انا الخصم وانا الهدف

الاتحاد برس :

 السعودية تعترف رسمياً "لست وسيط" انا الخصم وانا الهدف


 


عبدالله مفضل الوزير .. 


 


في اللحظة التي انكسر فيها هدوء المشاورات السرية، معلناً تشكيل "لجنة عسكرية عليا" بقيادة سعودية، كانت السعودية توقِّع بيد مرتعشة على إقرار تاريخي بالهزيمة والافلاس.


 


 إفلاس استراتيجية "النأي بالنفس" والتوجه نحو البناء ورؤية2030، وإفلاس رواية "الوسيط المحايد هذه أيضاَ" التي نسجتها طويلاً لتخفي خلفها وجه الطرف الأصيل في عدوان استنزفها استنزفتها.


 


 هذا القرار، بكل ما يحمله من تبجح ظاهري، هو في جوهره هروب الى الأمام في نفقٍ مظلم ومسدود، نحتَت جدرانه غباء القائد وايضاً أيدي حلفاء الأمس الذين تحوّلوا إلى منافسين شرسين "الامارات"، وأعماق اليمن التي ترفض أن تكون ورقة في لعبة الآخرين منذ الأزل.


 


لطالما مثَّل الملف اليمني في حسابات الرياض "ورقة" ثمينة تحسب أنها ستضمن لها مقعداً في مخطط الشرق الأوسط الجديد، ففي ظل المساعي الأمريكية الإسرائيلية الحثيثة لتطبيع شامل، رأت السعودية في اليمن أداة ضغط مثالية؛ فـ"تحجيم" أنصارالله المساندين لمحور المقاومة، أو ضبط الجبهة الجنوبية كان يُقدَّم في خطابها كخدمة للأمن الإقليمي والدولي، وبطاقة العبور نحو الحصول على ضمانات سياسية وعسكرية أكبر من واشنطن وتل أبيب، تحفظ مكانتها ككوة ولاعب في الشرق الأوسط الجديد، وكان اليمن كقربان على مذبح المصالح الكبرى لها.


 


هذا القربان أو الورقة الرابحة المفترضة كانت تحمل في طياتها تهديات استراتيجية، تمثلت بتهديد المنافس الإماراتي التنافس العنيد. فبينما كانت عين السعودية على صنعاء وتهديداتها الصاروخية، كانت عين حليفتها الإمارات ترسم خرائط نفوذ استراتيجية في الجنوب وفي المخاء.


 


 اذ لم يكن الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي مجرد اختلاف تكتيكي على الانفصال، بل كان مشروعاً موازياً للمشؤوع السعودي ويسعى لبناء كيان منفصل، يضمن لأبوظبي سيطرة على ثروات الجنوب الهائلة وموطئ قدم استراتيجي على باب المندب.


 


هكذا تحولت اليمن من ساحة حرب على النفوذ الإيراني إلى ساحة صراع صامت، صمت حتى انفجر الى العلن، على الهيمنة بين ثنائي تحالف العدوان نفسهما. هذا الانقسام لم يُربك فقط الجبهة الداخلية لمرتزقتهما في اليمن، بل أربك بالكامل المخطط الأمريكي الإسرائيلي الذي كان يراهن على جبهة خليجية موحدة لتنفيذ عدوانه المرتقب على صنعاء. فبدلاً من جبهة متماسكة لـ"لأنتقام" من صنعاء على دعمها لفلسطين، وعملياتها في البحر الاحمر، وجدت واشنطن نفسها أمام "حرب بالوكالة داخل حرب بالوكالة"، حيث تتصارع أدواتها فيما بينها على السلطة والثروة قبل أن تتصارع مع الخصم الحقيقي.


 


وهنا تكمن المفارقة المأساوية: فالرياض التي أرادت استخدام اليمن كورقة في لعبة اقليمية كبرى، وجدت نفسها عاجزة حتى عن التحكم في أدواتها المحلية


 


"وزارة الدفاع" التابعة لحكومتها المرتزقة الموالية، لم تكن سوى واجهة هشة لفصائل مرتزقة منقسمة تتبع لمن يدفع أكثر.


 


وفي ظل الضغط الأمريكي الإسرائيلي تعجلت في تشكيل "لجنة عسكرية عليا" بقيادتها هو في شقه الاول اعتراف صارخ بالفشل الذريع. وفي الشق الآخر اعتراف بالتحول من دور الممول الخفي إلى دور "الحاكم العسكري" العلني. 


 


لكن هذه القيادة الجديدة ليست دليلاً على القوة والبحث عن النصر، بل هي إدارة للانقسام تحت سقف عسكري موحد ومؤقت. فالرياض، كما تكشف تحركاتها، منذ انطلاق عدوانها على اليمن، لا تريد جيشاً يمنياً موحداً وان كان موالياً لها، لأن الجيش الموحد سيمتلك إرادة وقوة وقد يتحول إلى تهديد مستقبلي. وهي تريد فقط توحيد فوهات البنادق المنقسمة وتوجيهها مؤقتاً، "نحو صنعاء"، مع ضمان بقاء تلك القوى ممزقة سياسياً لتفيذ مشروع الأقلمة والتقسيم الطويل الأمد الذي يخدم هيمنتها مستقبلاً


 


والا لكانت قد سعت لدمج تلك المليشيات منذ زمن مبكر!


 


اذن، هذا القرار متسرّع، ونابع من حالة التخبط والضغط الخارجي، وسيفتح أبواب الجحيم على مصاريعها، لأنه:


 


أولاً: ينسف قرار تشكبل اللجنة السعودية آخر ذرائع ارتداء دور "الوسيط" الذي دافعت عنه الرياض مراراً، ويمنح صنعاء شرعية كاملة ومباشرة لاستهداف المنشآت الحيوية السعودية، دون هوادة، ويجعل مشاربع الرياض العملاقة هدفاً مشروعاً وسهلاً في معادلة الردع، في ظل تنامي قدرات صنعاء، وفي ظل تنامي شعبيتها، وفي ظل تنامي حالة السخط الشعبي تجاه السعودية.


 


ثانياً: هذا القرار يقدم السعودية كمسؤول مباشر عن كل هزيمة وتراجع ميداني، في السابق وفي المستقبل، ويقدمها كمسؤول عن كل جريمة ارتُكبت في اليمن، وهي مسؤولة عن التعويض قانوناً وشرعاً.


 


ثالثاً: يزيد هذا القرار من تعقيد المشهد حيث ستتناحر فصائل المرتزقة أكثر فيما بينها، كلٌ يرى في التقسيم القادم فرصة وسيعى لاقتطاع أكبر قطعة من الكعكة، ما يترتب عليه اقتتال بيني لا تستطيع السعودية ضبطه.