الاتحاد برس متابعات :
تحليق مكثف لطيران العدوان في الأجواء اليمنية ومليشيات الاصلاح تعلن حالة الطوارئ وتنشر الدوريات، وإنشاء المواقع والمراكز الطبية على طول خط مأرب
في مشهد فاضح يكشف حجم الارتباك والانهيار داخل معسكر تحالف العدوان، تشهد أجواء محافظة الضالع تحليقًا مكثفًا ومتواصلًا للطيران المسيّر السعودي لليوم الخامس على التوالي، فوق مناطق خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، وفي مقدمتها منطقة زُبيد، مسقط رأس عيدروس الزبيدي، في رسالة نارية لا تمت للاستطلاع بصلة، بل تأتي ضمن سياسة الترهيب والتصفية والابتزاز التي تنتهجها الرياض بحق أدواتها المنهارة.
ويأتي هذا التصعيد الجوي عقب غارات فجرية إجرامية استهدفت معسكرات ومنازل قيادات بارزة، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار واسعة في الممتلكات، في مشهد يفضح كذب وزيف مزاعم “الحماية” التي لطالما سوقها التحالف لمرتزقته، قبل أن ينقلب عليهم بلا تردد.
ويتزامن ذلك مع اختفاء غامض لعيدروس الزبيدي عن المشهد منذ خمسة أيام دون أي بيان أو ظهور، وسط تسريبات متداولة عن فراره عبر عدن باتجاه الصومال ثم الإمارات، في مؤشر واضح على أن الرجل استُهلك وانتهت صلاحيته كأداة وظيفية بعد استنفاد دوره التخريبي. مراقبون يؤكدون أن التحليق المكثف للطيران المسيّر ليس سوى تمهيد لتصفية أو استهداف قيادات سياسية وعسكرية داخل الانتقالي، في سياق عملية تفكيك ممنهجة لما تبقى من كيان صُنِع على مقاس الغرف السوداء في الرياض وأبوظبي.
وبالتوازي، دخل حزب الإصلاح، جناح الإخوان، حالة استنفار هستيرية على تخوم مأرب، معلنًا رفع الجاهزية والدفع بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو العبر بذريعة “حماية الخط الدولي”، في خطوة غير مسبوقة منذ عشر سنوات، تعكس رعب الحزب من اقتراب ساعة السقوط. انتشار الدوريات، إنشاء المواقع والمراكز الطبية على طول خط مأرب–الوديعة، لم يخفِ حقيقة أن الإصلاح يحتمي خلف آخر متاريسه، في ظل اشتباكات واتهامات متبادلة مع فصائل “درع الوطن” السعودية، ووقوع صدامات مباشرة في معسكرات العبر ومحيط مأرب.
وفي حضرموت، بدأت فصائل المرتزقة الموالية للرياض انسحابًا مذلًا ومفاجئًا من الهضبة النفطية، مخليّة معسكرات استراتيجية أبرزها معسكر الأدواس، ومتراجعة باتجاه العبر، في اعتراف عملي بفشلها وعجزها عن فرض السيطرة. هذه الفصائل، التي كانت تسيطر على مطار سيئون ومقر المنطقة العسكرية الأولى ومعسكر الخشعة، تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاصطدام المباشر مع الإصلاح، أو الزج بها كوقود في معركة مأرب، حيث تشير كل المعطيات إلى أن مهمتها القادمة ستكون الزحف نحو آخر أوكار الإخوان.
سياسيًا، أسقطت الرياض آخر أوراق التوت عندما جرّدت رشاد العليمي من أهم صلاحياته العسكرية، ونقلتها إلى لجنة عسكرية عليا تقودها السعودية مباشرة، في اعتراف صريح بأن ما يسمى “المجلس الرئاسي” ليس سوى واجهة كرتونية بلا قرار ولا سيادة. اللجنة الجديدة ستتولى إدارة وتوحيد الفصائل الموالية للتحالف جنوبًا وشرقًا، ما يعني أن الرياض سحبت السيادة حتى من أدواتها، بعد أن كان العليمي قد جمّد صلاحيات أعضاء مجلسه بذريعة “توحيد القرار”.
مصادر في حكومة عدن أكدت أن هذه الخطوة تأتي ضمن ترتيبات تفكيك فصائل الإصلاح في مأرب وتعز، في محاولة سعودية متأخرة لإعادة ترتيب المشهد ورفع الحرج عن العليمي بعد انكشاف تحالفه السري مع الإخوان. ما يجري ليس إصلاحًا ولا إعادة تنظيم، بل هندسة قسرية لمشهد منهار عقب نجاح الرياض في ضرب القوة العسكرية للانتقالي، وتنفيذ تعهداتها لواشنطن بإنهاء نفوذ الإخوان.
وفي محاولة يائسة لخلط الأوراق، سرّب الإصلاح معلومات عن ترتيبات لحل المجلس الرئاسي وتعيين رئيس ونائب فقط، مع تغييرات واسعة في حكومة عدن، في مسعى لتعبئة أنصاره قبل الضربة المرتقبة. كما فرضت السعودية شروطًا مهينة على المشاركين في الحوار الجنوبي، تقضي بالمشاركة الفردية دون أحزاب أو تكتلات، بعد أن حلّت الانتقالي عمليًا، سعيًا للتحكم بالمخرجات ومنع ظهور أي قوة سياسية منظمة، مستخدمة الإغراءات المالية كوسيلة ابتزاز رخيصة.
وعلى وقع الاحتجاجات المتصاعدة لأنصار الانتقالي في عدن وسقطرى، تعاملت الرياض بتعالٍ واستخفاف، ووصفتها بأنها “ردة فعل على الهزيمة”، فيما دفعت بتعزيزات عسكرية جديدة إلى عدن، شملت نشر نحو سبعة ألوية من مليشيات “درع الوطن”، استعدادًا لحسم ما تبقى من تمرد الأدوات. رفض قادة ميدانيون تسليم معسكراتهم، وبرزت شكوك عميقة حول ولاءات وحدات شاركت في تظاهرات رفعت صور الزبيدي وأعلام الانفصال، في مشهد يعكس تفككًا داخليًا وانعدام ثقة متبادل.
خلاصة المشهد: ما يجري جنوبًا وشرقًا ليس إلا انهيارًا متسارعًا لأدوات العدوان، وصراعًا سعوديًا–سعوديًا على إدارة الفشل، بعد أن فقد التحالف قدرته على حماية مرتزقته أو حتى ضبطهم. في المقابل، تراقب صنعاء المشهد من موقع القوة، مدركة أن معسكر الخصم ينهار من الداخل، وأن السقوط بات مسألة وقت لا أكثر.