الاتحاد برس :
السعودية والكويت لمصر زمن المنح إنتهى "دول الخليج لم تعد راغبة في تقديم مزيد من المنح والمساعدات لا سيما لدوله مثل مصر
خلال مؤتمر دافوس، خرج وزير المالية السعودي، بتصريحات واضحة تعبّر عن رفض المملكة الدفع بمزيد من المساعدات أو المنح المالية لحلفائها دون إجراء تلك الدول لإصلاحات اقتصادية.
وبعد يوم واحد، اجتمع قادة الإمارات وقطر والبحرين وعُمان والأردن ومصر في العاصمة الإماراتية في لقاء حمل عنوان "الاستقرار والازدهار في المنطقة" بهدف "ترسيخ التعاون وتعميقه بين دولهم"، حسبما ذكرت وكالة أنباء الإمارات الرسمية (وام).
وتباينت آراء محللين تحدثوا لموقع "الحرة" حول مغزى الغياب السعودي والكويتي اللافت. محللون خليجيون رأوا أنها كانت جلسة "تشاورية" للقضايا والتحديات الملحة التي تواجهها المنطقة راهنا، وأن غياب المملكة لا يعني أن لها تحفظا أو اعتراضا على مضمونها، كما شددوا على وجود التنسيق الرفيع بين الإمارات والسعودية.
وعلى جانب آخر، يعتقد محللون أن هناك تباينا واضحا في الرؤى الاقتصادية بين الرياض وأبوظبي، لا سيما في مسألة المساعدات لمصر والأردن، مما دفع من المملكة والكويت للتغيب عن هذا الاجتماع.
واستبعد عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب المصري، عماد جاد، أن يكون اجتماع أبوظبي قد ركز على القضايا السياسية، مؤكدا أن الاقتصاد كان الشغل الشاغل للقاء، خاصة في ظل الأزمة المالية في مصر.
وقال جاد لموقع "الحرة" إن غياب السعودية والكويت عن الاجتماع يمثل "رسالة" بأنهما لن يساهما في مساعدات لمصر، لا سيما بعد تصريحات وزير المالية السعودي ونواب في مجلس الأمة الكويتي، بحسب قوله.
وأشار إلى أن "دول الخليج لم تعد راغبة في تقديم مزيد من المنح والمساعدات، لا سيما لدول مثل مصر".
والشهر الماضي، وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضا بقيمة ثلاثة مليارات دولار تسدّد على 46 شهرا. ولكن هذا القرض ليس سوى قطرة في بحر إذ يبلغ عبء خدمة الدين الذي يتعيّن على القاهرة سداده خلال العام المالي 2022-2023 حوالى 42 مليار دولار، وفق البنك الدولي.
وتعاني مصر من أزمة اقتصادية طاحنة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا ساهمت في هروب رؤوس الأموال الأجنبية وانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار الأميركي بنحو النصف خلال العام الماضي مما جعل القاهرة تطلب قرضا من صندوق النقد الدولي.
في سياق متصل، قال الباحث الاقتصادي الأردني، عامر الشوبكي، إن "الرؤية الاقتصادية مختلفة بين الإمارات والسعودية بشكل واضح حتى لو أخفتها بعض اللقاءات والتصريحات".
ودلل الشوبكي على رأيه بغياب رئيس دولة الإمارات عن القمم الثلاث التي شهدتها الرياض مع الزعيم الصيني، شي جينبينغ، الشهر الماضي، والتي أسفرت عن توقيع الرياض جملة من الاتفاقيات والتفاهمات.
الموقف السعودي
كان وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، صرح، الأربعاء، أن المملكة ستغير طريقة تقديم المساعدات لحلفائها من تقديم منح مباشرة وودائع دون شروط.
وأضاف خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بسويسرا: "اعتدنا تقديم منح ومساعدات مباشرة دون شروط، ونحن نغير ذلك. نعمل مع مؤسسات متعددة الأطراف لنقول بالفعل إننا بحاجة إلى رؤية إصلاحات. نفرض ضرائب على شعبنا ونتوقع من الآخرين فعل الأمر نفسه وأن يبذلوا جهدا. نريد المساعدة لكننا نريد منكم الاضطلاع بدوركم".
أما البرلماني الكويتي، أسامة الشاهين، فقد ندد بما وصفه "أوامر صندوق النقد الدولي" بتخصيص دول مجلس التعاون الخليجي موارد تمويلية جديدة لمصر بقيمة 14 مليار دولار.
وكان صندوق النقد الدولي قد أصدر بيانا صحفيا يطالب فيه بتسهيل منح 14 مليار دولار إلى مصر من الشركاء الدوليين. وقال الشاهين إن هذه التوجيهات لا تنسجم مع إرادة الشعب وممثليه باستعادة الأموال "المعطلة المركونة هناك".
وتودع الكويت لدى مصر 4 مليارات دولار في بنكها المركزي، في صورة ودائع قصيرة ومتوسطة الأجل، بحسب "مصراوي".
وبذلك تحتل الكويت المركز الثالث في قائمة الدول الخليجية المودعة لدى مصر، مقارنة بالإمارات (10.6 مليار دولار)، ثم السعودية (10.3 مليار دولار). كما أودعت قطر في البنك المركزي المصري 3 مليارات دولار خلال العام الماضي.
وقال الشاهين: "نحذر من العادات السيئة السابقة تجاه العمال، سواء فيما يتعلق بالأشقاء في مصر أو دول أخرى.. ضبط المال العام والتركيبة السكانية خطوط حمراء".
وتأتي تصريحات السعودية والكويت في وقت تعاني فيه عدد من الدول العربية الأخرى التي اجتمعت في أبوظبي من أزمات اقتصادية مختلفة.
ويشهد الأردن أوضاعا اقتصادية صعبة تفاقمت بسبب ديون خارجية فاقت 50 مليار دولار وجائحة كوفيد-19 التي ضربت السياحة أحد أبرز مصادر الدخل في المملكة، بحسب فرانس برس.
وفي البحرين، ارتفع رصيد الدين العام للدولة في عام 2021 إلى حوالي 17 مليار دينار (قرابة 45 مليار دولار) مقارنة بحوالي 15 مليار دينار في 2020، بنسبة زيادة بلغت 13 بالمئة، وفقا لبيانات رسمية صادرة مؤخرا.
وتتوقع عٌمان عجزا بقيمة 1.3 مليار ريال (3.39 مليار دولار) في موازنة عام 2023، أو 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب رويترز.
الاقتصاد أولا
وبحسب البيان الإماراتي، فإن قمة أبوظبي استعرضت "القضايا والتطورات الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك والتحديات التي تشهدها المنطقة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وأهمية تنسيق المواقف وتعزيز العمل العربي المشترك ...".
وقال الشوبكي في حديثه لموقع "الحرة" إنه بالإضافة إلى القضايا السياسية، فإن الاجتماع ربما يكون جزء منه كيفية تقديم المساعدات إلى تلك الدول العربية التي تشهد أزمات اقتصادية.
وكرر الباحث الأردني رأي جاد بعد أن دلل على أن الاجتماع السداسي في الإمارات جاء متزامنا مع تصريحات وزير المالية السعودي في دافوس.
يعتقد جاد أنه "لا يمكن الرهان على الإمارات في ضخ مزيد من المنح كالتي ضختها قبل 8 سنوات. قد تكون المساعدات على شكل استثمارات أو شراء أصول أعتقد أن الإمارات قد حددتها" بالفعل، مضيفا أن "قطر لن نتقدم" المنح لمصر أيضا.
في الناحية المقابلة، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات، عبدالخالق عبدالله، إن "الامارات وبقية دول الخليج تدرك تماما أن مصر والأردن ودول عربية أخرى تعاني من أزمات وصعوبات اقتصادية ومالية".
في حديثه لموقع "الحرة"، أردف قائلا إن "الإمارات والسعودية وقطر وحتى الكويت كانت وستظل وستكون في مقدمة الدول التي ستدعم وتقدم المساعدات".
"الأرقام لا تكذب"
لكن الشوبكي أشار إلى أن التغيير في نهج المساعدات السعودي كان ملحوظا خلال العام الماضي، لا سيما مع الأردن ومصر، مشيرا إلى أن الاتجاه في الإمارات جاء معاكسا.
وأضاف أن الاجتماع يمثل "محاولة من الإمارات لجمع الدول تحت سقف اقتصادي وإنقاذها لإحلال المكان السعودي السابق ... السعودية لم تحضر بعد أن نأت بنفسها عن تقديم مساعدات في الفترة الحالية لانشغالها برؤية 2030".
ومنذ 2016، أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رؤية اقتصادية تهدف لتقليل اعتماد المملكة على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
لكن محللون خليجيون يذهبون في اتجاه مغاير ويؤكدون على متانة العلاقات بين الرياض وأبوظبي وأن التنسيق بينهما مستمر على مستوى عالٍ على الرغم من عدم مشاركة المملكة في قمة العاصمة الإماراتية.
واستبعد المحلل السياسي السعودي، مبارك آل عاتي، وجود خلافات في الرؤى بين البلدين، مضيفا في حديثه لموقع "الحرة" أن "التنسيق مستمر وعلى مستوى عال بين القيادات".
وردا على سؤال بشأن سبب غياب السعودية عن هذا الاجتماع، قال آل عاتي إنه "لا يوجد مبرر طارئ لعقد مثل هذه القمة، خصوصا وأن المواقف متفق عليها والتنسيق بين الدول متواصل على مستوى عال وأن الرؤى حيال المهددات في المنطقة متوافقة".
وأوضح: "الرياض والكويت معنية بهذه القرارات (التي يسفر عنها اللقاء)، نظرا لقوة التنسيق بين الدول الخليجية".
بدوره، يرى عبدالخالق عبدالله أن "التنسيق السعودي الإماراتي في أفضل حالاته" حتى مع غياب المملكة. وقال إنه "على يقين أن الرياض دعيت للقمة وهي مطلعة على ما دار من نقاشات وسوف يتم إبلاغها بتفاصيل التفاصيل مما تم الاتفاق عليه".
وأضاف أن "قمة أبوظبي كانت متزامنة مع مرور سنة على الهجوم الحوثي الإرهابي على الامارات"، مشيرا إلى أن المناسبة مهمة على اعتبار أن اللقاء "تضامني مع ما مرت به الإمارات".
ويتفق الباحث السياسي البحريني، عبدالله الجنيد، مع رأي عبدالخالق وآل عاتي بقوله إنه "يجب ألا ننظر للأمر بعدم وجود دولة بحجم السعودية على أنه غياب أو موقف مغاير من القمة او أهدافها".
في حديثه لموقع "الحرة"، قال الجنيد إن "وجود الإمارات يمثل وجود السعودية ووجود السعودية يمثل وجود الإمارات".
لكن الشوبكي له رأي مختلف بقوله "إن الأرقام لا تكذب" في هذا الإطار على الرغم من إظهار أن العلاقات لا تزال "تشاركية" بين البلدين سواء في أوبك بلاس أو عبر اجتماعات المسؤولين.
وأردف: "السعودية تفرض قيودا على منتجات المناطق الحرة الإماراتية، واختارت طريق عبر عُمان لتحييد الإمارات عن بعض الطرق لتصدير بضائعها.
ودلل أيضا على قرار السعودية بإجبار الشركات على فتح مقار إقليمية في الرياض ابتداء من عام 2024 حتى تستفيد من العقود الحكومية.
الحكومة الإسرائيلية الجديدة وخطر الحرب
ويعتقد الأكاديمي الإماراتي البارز أن قضية الحكومة اليمينية الجديدة في إسرائيل كانت موضوع نقاش في اللقاء بهدف "العمل الاستباقي على "وقف الزحف الإسرائيلي لضم الضفة الغربية لأنه يؤدي إلى عدم استقرار إقليمي غير طبيعي".
ويذهب الشوبكي في هذا الاتجاه أيضا بقوله إن الاجتماع ناقش أيضا "حكومة إسرائيل المتطرفة" ومخاوف من اندلاع اشتباك عسكري بين إسرائيل وإيران من شأنه أن يؤثر على كافة دول المنطقة.
كما يتفق آل عاتي قائلا إن "السعودية تقف مع الدول المجتمعة في انتقاد حالة التطرف الإسرائيلي" في الاجتماع الذي يبحث ملفات عدة دون أن يتركز على قضية واحدة بعينها، بحسب تعبير المحلل السعودي.
في نهاية ديسمبر، أدت الحكومة الإسرائيلية التي تعتبر الأكثر يمينية في تاريخ البلاد اليمين الدستورية بعد أسابيع من مفاوضات قادها رئيس الوزراء العائد إلى السلطة، بنيامين نتانياهو، مع الأحزاب الدينية المتشددة.
وفي هذا الجانب، استدل المحلل السياسي القطري، صالح غريب، بتغريدات وزير خارجية بلاده السابق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، التي حذر فيها من عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران من شأنه أن "يهز الأمن والاستقرار في منطقتنا وستكون له عواقب اقتصادية وسياسية واجتماعية وخيمة".
وأضاف غريب أن "القمة قد بحثت إمكانية تحريك الاتفاق النووي في ظل التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربة لإيران وهذا الأمر لا تسعى إليه دول المنطقة، حيث تريد تبريد الأجواء بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى وعدم حدوث حرب أو هجوم قد يؤثر على المنطقة برمتها".
وتطرق المحلل القطري إلى ابتعاد القادة عن البرتوكولات الرسمية في هذا اللقاء "بهدف المناقشة وإيجاد حلول لقضايا دول المنطقة الملحة".
"الخلاف العميق"
بالإضافة إلى ذلك، يعتقد الباحث البحريني الجنيد أن قمة أبوظبي تناولت مسألة الخلاف بين المنامة والدوحة، قائلا: "ربما تحدث انفراجة في بعض الأمور العالقة التي كانت البحرين تطالب بتناولها بشكل جدي".
ومنذ قمة العلا مطلع عام 2021 التي أنهت 3 سنوات من القطيعة بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر مع قطر، إلا أن العلاقات بين الدوحة والمنامة لا تزال جامدة بعكس الدول الثلاث الأخرى.
ولا تزال العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مقطوعة بالكامل. كما أن رحلات الطيران لم تستأنف حتى مع استضافة قطر لكأس العالم لكرة القدم مؤخرا.
وقال غريب إن من "مخرجات اللقاء التشاوري مصافحة معلنة بين ملك البحرين وأمير قطر" مما يشير إلى احتمالية حدوث "تحركات باتجاه حل هذه الأزمة".
ومع ذلك، شدد غريب على أهمية أن يكون هناك بيانا واضحا من الحكومة البحرينية وإيقاف التصعيد الإعلامي عبر الصحف المقربة من الديوان الملكي والمطالبات البحرينية بالزبارة، مضيفا: "هذا أمر يزعج مبادرات الصلح"
من جهته، قال عبدالله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، إن الملف البحريني القطري يحتاج لجهد خليجي مشترك تقوده "الإمارات والسعودية بشكل أساسي" لحل ما وصفه بـ "الخلاف العميق" بين البلدين.
وقال إن الصلح بين الدوحة والمنامة هو "شأن خليجي يجب السعي إليه باعتبار أن قطار المصالحة الخليجية لكي يصل لمحطته الأخير لابد من إصلاح هذا الخلاف"، مضيفا: "الإمارات تسعى لذلك".
الحرة