الاتحاد برس :
الاتحاد برس- متابعات اعلاميه
كلمة رئيس اللجنه المركزيه للحزب الإشتراكي اليمني .
يحيى منصور ابواصبع
بمناسبة أعياد الثوره .
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الحضور الكريم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحييكم جميعا كل باسمه وصفته.
أحييكم تحية سبتمبرية أكتوبرية فيها من صدق المشاعر ما كان لثوار 26 سبتمبر و14 أكتوبر من الصدق في حب الوطن والاستعداد لتقديم الغالي والنفيس من أجله. وإلى جانب احتفائنا جميعا، نحن وأنتم، بالذكرى الستين لثورة سبتمبر والذكرى التاسعة والخمسين لثورة أكتوبر المجيدتين، نحتفي نحن الاشتراكيين بالذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس حزبنا الذي لا نستطيع أن نفك حالة الالتحام بين تاريخه الخاص والتاريخ العام للثورتين المجيدتين منذ أن كانت روافده الأولى من القوميين والبعثيين وطلائع الماركسيين أبرز معالم الساحة الوطنية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في عدن وفي صنعاء.
ومن باب الصدق معكم ومع النفس، لن أكرر على مسامعكم أي من الكلمات النمطية التي تقال في هذه المناسبات من كل عام. فالمشهد الوطني العام الذي نعيشه فيه من الانكسارات والارتدادات والزحف التراجعي المتسارع ما لا يتيح لنا ولو مساحة صغيرة للفرح، لا على المستوى الفردي الخاص ولا على المستوى الوطني العام. وفي مشهد كهذا تكون كلفة إيقاف الحرب والذهاب إلى السلام أقل بما لا يقاس من كلفة استمرار نزيف الدم والمغامرة بمستقبل الوطن، شريطة أن تكون المصلحة الوطنية العليا هي أداة قياس الربح والخسارة، وليس مصلحة هذا الطرف أو ذاك من أطراف الحرب. والسلام الذي ننشده هو ذلك الذي يتحقق بشروط الوطن وليس بشروط المنتصر في حرب داخلية.
أيها الإخوة والأخوات:
دعوني من هذه القاعة أن أخاطب كل أطراف الحرب بالحقائق التالية:
1-إن المراهنة على القوة والسلاح لا يمكن أن تمنح أحدا منكم القدرة على الاستمرار، وتاريخنا القريب جدا مليء بالعبر والدروس. وكل استقواء بالسلاح ضد بعضنا البعض لا يدل على شيء مثلما يدل على الإفلاس وعلى البدائية والتهافت.
2-إن نشوة الانتصار بالسلاح هنا أو هناك سرعان ما ترتد وصمة عار وجرحا نازفا. وأرشيفنا الوطني عامر بالأمثلة. وتاريخ الشعوب يعيد تقييم الأحداث ويعرف كيف ينصف وكيف يدين. وحتى قطاع الطرق يعرفون جيدا أن ما أخذوه بالسلاح يفتقر إلى أدنى مستويات المشروعية.
إنني، أيها الإخوة والأخوات، لا أقول هذا من فراغ، وإنما لأننا كنا حزبا حاكما، ونعرف جيدا أعباء السلطة ومخاطر الشمولية وارتدادات الزهو بالقوة. وعلينا أن نكاشف أنفسنا وأن نكاشف المتباهين بأوهام السلاح، لعلَّ وعسى أن يفهموا، بأن السلطة التي لا يتم تحويلها إلى إدارة تتحول إلى مراكز قوى وتنقسم على نفسها عاجلا أو آجلا، والعاقل من اتعظ ويتعظ بغيره.
أيها الإخوة والأخوات:
لا تذهبوا بعيدا وإنما انظروا إلى الزمن القريب جدا الذي ولدنا وعشنا فيه واسألوا أنفسكم: أين أولئك الذين زايدوا على الوطن، وراهنوا على القوة والاستقواء، ولم يغنموا الفرص التي أتيحت لهم لبناء دولة لكل اليمنيين؟ والجواب: لقد ذهبت ريحهم، وظهر للناس غرورهم، وانتهى بهم الحال إلى القتل أو المنفى.
أيها الإخوة والأخوات:
إن مصلحتنا جميعا، على اختلاف توجهاتنا ومشاربنا، تبدأ من تجاوز الماضي، وليس من إحيائه والتمترس به وتسويقه على أنه الهوية والحضارة والتراث. ولقد علمنا التاريخ وتجارب الأمم والشعوب أن ما ينتصر للحياة يجب أن يكون من روح العصر.
إننا شعب في القرن الواحد والعشرين، نعاصر شعوبا كثيرة، ونعرف جيدا أن الطريق إلى العزة والكرامة والإباء يبدأ من احترام حقوق الإنسان وضمان الحريات المدنية لكل الناس. فالوطن الحر لا وجود له إلا حيث يوجد المواطن الحر، والوطن القوي لا يوجد إلا حيث يوجد المواطن القوي وليس حيث يوجد الحاكم القوي ولا حتى حيث يوجد الجيش القوي. فقوة المواطن قوة للوطن، وكل انتقاص من حقوق المواطن هو انتقاص من الوطن.
أيها الإخوة والأخوات:
إن هذه المناسبات لا تأتي لكي نمدح الماضي، أو نشتم المختلفين معنا؛ وإنما تأتي لاستشراف لتقييم الحاضر واستشراف المستقبل والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمعنا. إنها مناسبات للتعلم واستنهاض قيم التضحية من أجل الأهداف النبيلة.
إن استذكار أشياء من الماضي قد يكون ضروريا حين نأخذ منه مثالا على كيفية عبور التشرذم والتشظي. أما حين يكون لنبش الأحقاد فهذا يعني أن الماضي لم يمضِ، وأن النفوس المريضة لا تستطيع أن تتعافى من غبائها.
أيها الإخوة والأخوات:
كل الشعوب التي جعلت الماضي أمامها وإمامها ظلت ومازالت تسافر في غبار التاريخ. ونحن اليوم في القرن الواحد والعشرين، ورياح العصر ستهب علينا، شئنا أم أبينا، وما لم يكن ولاؤنا لحقيقة العصر وروحه، فإن نصيبنا لن يكون الفشل فقط وإنما لعنات الأجيال.
أيها الإخوة والأخوات:
علينا جميعا تنقية معجمنا السياسي اليومي من مفردات الكراهية. فكل كلمة في السياسة يجب أن تكون من أجل الوطن أولاً. وكل طريق إلى الوطن يبدأ من احترام المواطن وحقوق المواطن وكرامة المواطن وحاضر المواطن ومستقبل المواطن.
وصفحات التاريخ تشهد أن الأوطان لا يبنيها إلا الحب والتسامح والتفاهم وليس القطيعة والضغينة والوعد والوعيد. وإن المناكفات والمهاترات وتوصيف البعض للبعض لا يقدم ولا يؤخر في الأمر شيئا، وإنما يكشٍف عن ضغينة وعمى واستمرارٍ للعداء. وإن الذهنية الثأرية لا يمكن أن تبني وطنا ولا يمكن أن تستشرف مستقبلا، لأنها مشغولة بتصفية حسابات مع الماضي عالقة بوحل الأحقاد.
أيها الإخوة والأخوات:
إن الشراكة السياسية-وليس غيرها-هي الخيار الوحيد للخروج من دورات العنف وبناء دولة تتسع للجميع وتبني قيم المواطنة وترسخ التواصل والتكامل بدلا من التربص والاستعداء والاستعلاء.
وإن الاعتراف بالآخر وتقبل الاختلاف مدخل رئيس لتجاوز كل ما يشدنا إلى الماضي ويجعلنا مجتمعا من الحمقى يتصارع أفراده وجماعاته على خرافات ودعاوى ينخرها الزيف والتدليس.
ومن لا يستطيع أن يقدم التنازل لشركائه في الوطن لا ولن يستطيع أن يبني وطنا ولا أن يكون مستقبليا. ومما يؤسف له أننا على امتداد سنوات الصراع الراهن لم نلحظ بين المتصارعين طرفا واحدا يحاول أن ينتصر لقيم المواطنة؛ فالجميع يمارسون الإملاءات ويتجاهلون حقيقة مأساة الإنسان اليمني جراء الحرب، والجميع يكشف عن مخيال سياسي عقيم وغرائزية فاضحة، والجميع يريدون أن يفاوضوا بحقوق الشعب ليحسنوا شروط بقائهم.
أيها الإخوة أيتها الأخوات:
إن حالة الانسداد التي يعاني منها العمل السياسي دالة على أن أطراف الصراع إما أنهم مرتهنون لا يملكون قراراتهم، وإما أنهم يفتقرون للحد الأدنى من الشعور بالمسئولية، وغارقون بالأنانية، ومتمرسون على التدليس. وإني هنا لن أسمي أحدا، ولن أذكر وقائع بعينها، فليس هناك ما يُنسى لنذكِّر به. ومما يزيد الطين بلة هو الخطابات الطافحة بالعنصرية والعنصرية المضادة، وبالطائفية والطائفية المضادة، وبالمناطقية والمناطقية المضادة، وكلها ممارسات تجسد منطق الاستعلاء والاستقواء ومعها يتلاشى كل أمل في أن يصحو ضمير المتسلطين.
أيها الإخوة والأخوات:
إننا في هذه الظروف الصعبة لا نبحث بين المتصارعين عن طرف أقوى وإنما عن طرف أفضل، وكم نتمنى أن تتسابق كل الأطراف على الأفضلية وليس على القوة. فالأفضل هو المؤهل سياسيا وأخلاقيا لإنصاف غيره من نفسه، والأفضل هو من يبحث عن الانتصارات الكبيرة في السياسة وليس في الحرب.
أيها الإخوة والأخوات:
إننا في الحزب الاشتراكي اليمني لا نراهن على شيء مثل رهاننا على دولة لكل اليمنيين، ولا نعترف بوطنية تستثني أحدا في الوطن، كما لا نعترف بأي شعارات ترفع باسم الوطن وهي تقتل يمنيين.
لقد تعبنا-أيها الإخوة والأخوات-من بيانات الإدانة وبيانات الشجب والندب، وتصريحات متابعة الأحداث بقلق وأسف. ولن نتحدث هذه المرة عن مسميات سلطوية، ولن نناشد أحدا أن يتحمل مسئولياته، فمن يشعر بالمسئولية لا يحتاج إلى مناشدة.
ولن أسمي أحدا سوى الشعب اليمني، فالشعب وحده من يعاني من المأساة، وهو وحده من يقع عليه الرهان. ولذلك نخاطبه:
-يا شعبنا اليمني، وحدك تعرف جلاَّديك، وتعرف كيف لا تستمر تحت القهر، ووحدك تعرف كيف تضيف إلى 26 سبتمبر و14 أكتوبر مثلهما وأكثر، ووحدك تعرف كيف تصنع 11 فبراير أخرى غير قابلة للسطو والمصادرة، ووحدك تعرف كيف تعيد توحيد الهدف ومواجهة كل أشكال التحايل على اليمن الكبير.
لقد سئمنا-أيها الإخوة والأخوات-من الدعوة تلو الدعوة إلى ضرورة مراجعة الأخطاء وتصويب المسار وتوحيد الهدف وتنقية الوعي الجمعي من المزايدات والمكايدات. سئمنا من العنتريات التي تستنزف الدم اليمني. سئمنا من الخطب الرنانة والشعارات والمهرجانات. ولم يعد من سبيل نتطلع إليه سوى ثورة الشعب.
فالثورة-أيها الإخوة والأخوات-آتية لا ريب فيها؛ ومهما كانت كلفتها فستكون أقل بكثير من هذا القتل اليومي لمعنى المواطن والوطن.
الثورة قادمة نكاد نراها تتخلق ضد الحرب والمتحاربين الذين يتحولون إلى إمبراطوريات مالية، بينما الشعب يتضور جوعا ولا يكاد يجد قيمة أقراص الصداع وقيمة حليب الأطفال. ولا يظن المتكالبون على الوطن أن الشعب اليمني سيتمرس على ظلمهم وقهرهم وسيعتاد الذٌّل والهوان. فالشعب أعظم بطشاً يون غضبته وأدهى من دواهيهِ.
أيها الإخوة والأخوات:
إن المتربصين بنا من خارج الحدود لم يتسللوا إلينا إلا من الثقوب والشروخ التي أصابت وحدتنا الوطنية، وهم اليوم يستغلون حماقاتنا ويقتلون بعضنا ببعضنا.
إن الغرض من مسمى "التحالف العربي" هو إيها الشعبين السعودي والإماراتي والشعوب العربية بأن حرب الرياض وأبو ظبي في اليمن هي ضد الفرس وليس ضد اليمنيين. ولكن بعد ثمان سنوات أصبحت أهداف الحرب مكشوفة حتى للإنسان العادي في اليمن، ولم يعد شعار القضاء على الانقلاب واستعادة الدولة إلا من قبيل المزيد من الإغواء، لمزيد من الملشنة، ومزيد من اقتطاع الأرض، ومزيد من انتهاك السيادة، ومزيد من التبعية، ومزيد من الاحتراب الداخلي، ومزيد من تمزيق الجغرافيا، ومزيد من الجروح التي لا تندمل في جسد الوحدة الوطنية.
وهذا ليس بجديد علينا، فتاريخ علاقات السعودية مع اليمن يكاد أن يكون تاريخ حرب مستدامة تأخذ أشكالا ناعمة أحيانا وأشكالا ساخنة أحيانا أخرى. وعندما تكون ناعمة تدار بالمال السياسي الذي طالما استخدم ضد مبدأ وفكرة الدولة الوطنية وتدبير الانقلابات والاغتيالات.
ونحن من هذه القاعة نوجه رسالة إلى أشقائنا في الرياض وأبو ظبي أن كفوا عن التدخل في شئوننا ودعونا نواجه أقدارنا بأنفسنا، وانعموا أنتم بثرواتكم ولا نريد منكم شيئا، ما لم فإن سياساتكم العدوانية تجاه بلدنا سترتد عليكم، وليس المسيرات والصواريخ التي وصلتكم سوى رسائل إنذار وتحذير من عواقب سياساتكم تجاهنا.
ومع كل ذلك نتطلع نحن في الحزب الاشتراكي اليمني إلى علاقات طيبة ومثمرة مع أشقائنا في السعودية والإمارات يعود خيرها على شعوبنا، وشرطنا أن تمر هذه العلاقات عبر أقنية الدولة وأن يسهم في صناعتها كل الأطراف في اليمن.
المجد كل المجد لثورتي سبتمبر وأكتوبر والخلود لشهدائهما.