الاتحاد برس _ أنس القرشي :
نحو اعتراف دولي متنامٍ بسلطة صنعاء: الأمم المتحدة تُراجع موقفها والشرعية تتآكل
لم تكن تغريدة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، التي قال فيها: “الحل في اليمن يجب أن يكون وفق إرادة الشعب اليمني”، مجرد عبارة دبلوماسية عابرة أو مجاملة أممية مألوفة، بل جاءت كإشارة فاصلة، تعكس تحوّلًا واضحًا في الرؤية الدولية تجاه ملف اليمن، وتُعبّر عن بداية تخلٍّ تدريجي عن ما يُسمى بـ”الشرعية” المفروضة، والتي ظلت لسنوات غطاءً سياسيًا لتحالف العدوان ومطية لتبرير التدخلات الخارجية في شؤون اليمن الداخلية.
لقد أثبتت الوقائع، على مدى ما يقرب من عقد من الزمن، أن ما يُطلق عليه “الشرعية” لا تحكم، ولا تمثّل، ولا تمتلك من أمرها شيئًا، وأنها مجرد واجهة تُدار عن بُعد من فنادق الخارج، بينما السلطة الفعلية، التي تُمارس السيادة، وتدير مؤسسات الدولة، وتواجه الحصار، وتخوض معارك الكرامة والسيادة، وتؤمّن الجبهات، وتضبط الأمن، وتبني على الرغم من الجراح—هي سلطة صنعاء.
لماذا يتغير الموقف الدولي؟
التغير لا يأتي من فراغ. هناك معطيات تراكمية فرضت نفسها:•أولًا، صمود صنعاء لثماني سنوات أمام أكبر عدوان عسكري واقتصادي وإعلامي عرفته المنطقة، وهو ما أثبت للمجتمع الدولي أن هذه القيادة ليست طارئة، ولا هشة، بل تمتلك من الحاضنة الشعبية والقدرات المؤسساتية ما يجعلها واقعًا لا يمكن تجاوزه.
•ثانيًا، التقدم السياسي والدبلوماسي الذي أحرزته صنعاء في ملفات التفاوض، والمرونة الحكيمة التي أبدتها في ملفات الأسرى، والملاحة، والتنسيق الإنساني، ما جعلها الطرف الأكثر اتزانًا ومصداقية في نظر الوسطاء الدوليين.
•ثالثًا، انكشاف مشروع “الشرعية” وتحولها إلى عبء على حتى داعميها، حيث باتت مصدر فوضى وفساد ونزاع داخلي لا يملك أي مشروع وطني حقيقي، فضلاً عن أنها تعيش خارج البلاد.
غوتيريش يعبّر عن تحوّل لا عن رأي شخصي
حين يقول الأمين العام إن الحل يجب أن يكون وفق “إرادة الشعب اليمني”، فإن هذا التصريح يحمل في طياته تراجعًا صريحًا عن الصيغة السابقة التي كانت تؤكد على “استعادة الشرعية”، وهو ما يعني أن الأمم المتحدة بدأت تستشعر الحرج من الاستمرار في دعم مشروع مهترئ يتناقض مع مبادئ الديمقراطية التي ترفعها المنظمة نفسها.
فمن هو الشعب اليمني؟ وهل اختار الشعب هادي ورفاقه؟ أم أن المظاهرات المليونية في صنعاء، والاصطفاف الشعبي حول مشروع المقاومة، والانخراط الفعلي في مواجهة العدوان، تعكس إرادة الناس الحقيقية؟
الواقع يفرض نفسه
العالم بدأ يدرك أن تجاوز صنعاء لم يعد خيارًا، بل مستحيلاً من حيث الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي. وكل عملية سياسية أو حلّ تفاوضي لا يشمل الاعتراف بها كطرف سيادي شرعي وممثل فعلي للقرار اليمني سيكون محكومًا عليه بالفشل.
حتى الولايات المتحدة وبريطانيا—اللتان ظلتا لعقود تقفان وراء مشاريع الوصاية—بدأتا بإرسال إشارات تُفهَم منها الرغبة في التفاهم مع صنعاء لا مواجهتها، لأن الميدان يقول: من لا يستطيع كسرك يجب أن يعترف بك.
ختامًا، إنّ تصريح غوتيريش هو بداية لما هو أكبر قادم. الاعتراف الدولي لا يصنع السيادة، بل السيادة تفرض الاعتراف. وصنعاء اليوم لم تعد تبحث عن اعتراف أحد، بل أصبحت هي من يمنح الاعتراف. ومن أراد أن يكون له مكان في مستقبل اليمن، عليه أن يأتي إلى طاولة صنعاء، لا إلى فنادق الرياض أو أبوظبي