العناوين:

“ضجيج” فوق المحيط “الهادي”.. انتبهوا جيدا"

الاتحاد برس :

“ضجيج” فوق المحيط “الهادي”.. انتبهوا جيدا"


 


شمالية و جنوبية ..هكذا قسمت شبه الجزيرة الكورية .قسمة لا تمت للديمغرافية أو لتاريخ الشعب الكوري بصلة، انما هي ناتج القسمة لمخلفات الحرب العالمية الثانية و التي خرج منها الحلفاء منتصرين ،و المقصود هنا بالأساس الاتحاد السوفييتي و الولايات المتحدة الأمريكية .و لكن و في ظل التناقضات الايديولوجية الشاسعة بين الطرفين كان لا بد من تقاسم مناطق النفوذ في العالم ،فكان تقسيم شبه الجزيرة الكورية الى دولتين شمالية تدين بانتمائها للمعسكر الاشتراكي متمثلا بالاتحاد السوفييتي و الصين و جنوبية موالية حتى في نمطها الاقتصادي للمعسكر الرأسمالي ممثلا بأمريكا و ليتحول التوأمين الكوريين نهائيا و بعد حرب شرسة بينهما امتدت منذ عام 1950 الى1953 الى كيانين منفصلين أحدهما بيد يسرى و الاخر بيد يمنى تفصل بينهما منطقة منزوعة السلاح بعرض أربعة كيلومترات على خط عرض 38 .لم تشفع وحدة التاريخ و الجغرافية و الديمغرافية للكوريين لينعموا بسلام حقيقي لسبب بسيط هو أن الصراع بينهما و بكل حيثياته بدءا بالمناوشات الحدودية ،التهديدات  الاختراقات المتواصلة لوقف اطلاق النار في المنطقة منزوعة السلاح  مرورا بسباق تسلح غير مسبوق جعل من شبه الجزيرة الكورية “مرجل” البحر الأصفر في المحيط الهادي( المصنف على أنه أهم منطقة بحرية استراتيجية في العالم ). صراع دفع بالكوريتين الى مراتب متقدمة في  سلم الترتيب العسكري العالمي ( كوريا الشمالية في المرتبة23  و الجنوبية في المرتبة 13 من حيث القوة العسكرية التقليدية بالنسبة ل133جيشا ) عدا عن اقتحام كوريا الشمالية لنادي القوى النووية .صراع هو في حقيقة الأمر صراع بالوكالة بين القوى العظمى و خاصة الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها و الصين و حلفائها .


و لعل كلمة السر في كل تلك الأحجية الآن هي الصين .فالصين من جهة هي الأم الحنون لكوريا الشمالية تدعم سياساتها الداخلية و الخارجية،تسقط لأجلها كل القرارات الدولية المعادية بفيتو لا يعرف المهادنة ،تبرر كل أفعالها و أقوالها .و على الضفة الأخرى الصين هي هاجس الولايات المتحدة و صداعها المتواصل ،باعتبار صعودها الصاروخي الى موقع السيادة الاقتصادية و التجارية في العالم بشكل يهدد المصالح الأمريكية تهديدا مباشرا و بكل المؤشرات . الاحصائيات تتوقع للصين أن تتقدم على الولايات المتحدة حتى في الناتج المحلي ،و أن تتفوق على اليابان في مجال التكنولوجيات المتطورة، الصين هي التنين الاقتصادي الذي لن يكتف بتفوقه الاقتصادي فحسب بل سيمر لاحقا الى الاقتداء بمقولة “التراكم الكمي يؤدي الى تبدل كيفي “مما يعني ان الصين ستمر الى تحولات هامة تمس مجالات سيادية كالتسلح ، غزو الفضاء أو فرض معادلاتها السياسية الخاصة. و باعتبار أن القوى العظمى و إثر حربين عالميتين مدمرتين لم تعد تجد جدوى من النزاعات المسلحة المباشرة كان لا بد من إيجاد وسطاء يجيدون الاستفزاز ،و يديرون لعبة الكر والفر و هو الدور الذي أسند للكوريتين مما خلق توترات مزمنة و أجواء حرب غير معلنة تنتظر شرارة لتشتعل نيرانها


.فعلى طرفي المنطقة المنزوعة السلاح يتمترس 28 الف جندي أمريكي (مقابل مليار دولار تدفعها كوريا الجنوبية سنويا ) مع آلاف الجنود من الطرفين مدججين بترسانة عسكرية هي الأكثر كثافة في العالم اكثر حتى مما هو موجود في الشرق الأوسط .و رغم ذلك و رغم  مرور 65 عاما من التهديدات المتواصلة و العقوبات المتتالية على كوريا الشمالية لم تستطع الادارة الأمريكية أن تزحزحها و لو قيد أنملة عن سياساتها بل ان الادارات المتعاقبة في ببونغ يانغ تزداد تحديا لدرجة وصلت حد التهديد المعاكس .و بالمقابل لم تستطع بكين أن تنفرد بالسيطرة على معابر البحر الأصفر و الواقعة تحت سيطرة عديد الدول كاليابان، الفليبين ،سنغافورة ،ماليزيا، بروناي، و كوريا الجنوبية. أمام حالة اللاربح و اللاخسارة و وضع اللاحرب و اللاسلم بزغت بدايات انفراج في الوضع المحتقن قد يضمن لكل الأطراف الحد الأدنى من الاستقرار و المصلحة و بدأت قنوات الحلول الديبلوماسية تشهد انفتاحا خجولا  تمثل بالاتصالات الرسمية و الغير رسمية بين بيونغ يانغ و سيؤول و بدخول الصين قاطرة الحل الديبلوماسي أما التحول المفاجىء فهو اللقاء التاريخي المرتقب  بين العدوين اللدودين الرئيس الأمريكي ترامب و الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في ماي القادم برعاية صينية.لا أحد يعرف بالتحديد النوايا الحقيقية  المخفية وراء التصريحات الديبلوماسية و اللقاءات الحذرة و لكن كل الرهانات في المنطقة تبقى قائمة فالحل السلمي و الديبلوماسي تفرضه الجذور الواحدة لشعبي الكوريتين كما حصل للألمانيتين و يفرضه أيضا الغموض الذي يكتنف حقيقة الترسانة العسكرية لكوريا الشمالية، و رهان المواجهة العسكرية يبقى قائما أيضا بتوافر كل مقتضياته الآنفة الذكر و عندها لن يسود الهدوء المحيط الهادي وسيبقى الضجيج سيد الموقف .


 


د: نادية الحكيم - كاتبة تونسية